حبيب الله الهاشمي الخوئي

157

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتعدّى عليه صبر على ذلك وفوّض أمره إلى اللَّه عزّ وجلّ حتّى ينتقم له من الباغي لأنّه تعالى قد وعد له النصرة في كتابه العزيز بقوله * ( « ذلِكَ ومَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْه لَيَنْصُرَنَّه » ) * أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ثمّ ظلم عليه لينصرنّه اللَّه أي المظلوم الَّذي بغى عليه لا محالة ، وإنّما يصبر المتّقى على بغى الباغي ولا يجازيه عملا بقوله سبحانه * ( وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) * يعني إن أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة والمكافاة فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به ولا تزيدوا عليه ولئن تركتم المكافاة والقصاص وجرعتم مرارته لهو أي الصّبر خير وأنفع للصّابرين لما فيه من جزيل الثواب . ( نفسه منه في عناء والنّاس منه في راحة ) أي نفسه منه في تعب ومشقّة لمجاهدته لها ومخالفته لهواها وحمله إيّاها على ما تكره وردعه لها عمّا تحبّ كما عرفت في شرح قوله عليه السّلام : إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، كلّ ذلك لعلمه بأنّها أمّارة بالسّوء وأنّها له عدوّ مبين ، ولذلك كان النّاس منه في راحة ، لأنّ ايذاء النّاس من هوى الأنفس فإذا كان قاهرا لها على خلاف هواها يكون النّاس مأمونين من شرّها مستريحين من أذاها ( أتعب نفسه لاخرته وأراح النّاس من نفسه ) وهذه الجملة في الحقيقة تعليل وتوضيح للجملة السّابقة ، لأنّه لما قال هناك : نفسه منه في عناء ، علَّله هنا بأنّ إتعابه لنفسه إنّما هو لأجل آخرته . فقد روى في الوسائل عن الصّدوق عن شعيب العرقوفي عن الصّادق عليه السّلام : قال : من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرّم اللَّه جسده على النّار . ولمّا قال ثمّة : النّاس منه في راحة ، أوضحه هنا بأنّ استراحتهم من شرور نفسه لمجاهدته لها . كما روى في الوسائل عن الصدوق عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السّلام في وصيّة النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعلىّ عليه السّلام : قال : يا علي أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد